الثعلبي
71
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
شهدت أوّله فصم آخره إلاّ تراه يقول : " * ( فمن شهد منكم الشّهر فليصمه ) * ) قالوا : والمستحب له ألاّ يسافر إذا أدركه رمضان مقيماً إن أدركه حتّى يقضي الشهر ، وروي في ذلك عن إبراهيم بن طلحة إنه جاء إلى عائشة رضي الله عنها يسلم عليها قالت : وأين تريد ؟ قال : أردت العمرة ، قالت : جلست حتّى إذا دخل عليك شهر رمضان خرجت فيه ؟ قال : قد خرج ثقلي ، قالت : اجلس حتّى إذا أفطرت فأخرج ، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت له . وقال الآخرون معنى الآية " * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * ) ما شهد منه وكان حاضراً وإن سافر فله الافطار إن يشأ ، قاله ابن عبّاس وعامّة أهل التأويل ، وهو أصحّ الأقاويل يدلّ عليه ما روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح صائماً في رمضان حتّى إذا بلغ القنطرة دعا بماء فشرب . وعن الشعبي : إنّه سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر . ثمّ ذكر فقال : " * ( وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً ) * ) اختلف العلماء في الزمن الّذي أباح الله تعالى معه الافطار ، فقال قوم : هو كل مرض يسمّى مريضاً . وقال ( طريف بن تمام ) العطاردي : دخلت على محمّد بن سيرين يوماً في شهر رمضان وهو يأكل فلمّا فرغ قال لا توجّعت أصبعي هذه . وقال آخرون : فكل مرض كان الإغلب من أمر صاحبه بالصّوم الزّيادة في علّته زيادة غير محتملة ، وهو اختيار الشّافعي . وقال الحسن وإبراهيم : إذا لم يستطع المريض أن يصلّي قائماً أفطر ، والأصل إنّه إذا لم يمكنه الصّيام وأجهده أفطر فإذا لم يجهده الصّوم فهو بمعنى الصحيح الّذي يطيق الصوم . " * ( أوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّام أُخَرَ ) * ) اختلف العلماء في صيام المسافر فقال قوم : الافطار في السّفر عزيمة واجبة وليس برخصة فمن صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام ، وهو قول عمرو أبي هريرة وابن عبّاس وعلي بن الحسين وعروة بن الزبير والضحّاك ، واعتّلوا بما روت أمّ الدّرداء عن كعب بن عاصم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليس من البّر الصيام في السفر ) . الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال : الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر . وقال آخرون : الافطار في السّفر رخصة من الله عزّ وجلّ والفرض الصّوم فمن صام ففرضه